محمد أبو زهرة
1380
زهرة التفاسير
ولقد صدق اللّه تعالى كلماته ، فمن وقت أن صارت بطانة الملوك والأمراء من أهل الكتاب ، وأمور المسلمين فوضى ، تختفى الفوضى السياسية عندما يكون الأمير أو الملك قويا ، ولكن تكون في بث أفكار فاسدة ، وآراء تحل الوحدة ، وقد كان أول من اتخذ كتابا من أهل الكتاب معاوية بن أبي سفيان ، وحسبك أن تعلم أنه في عهده انتشرت الإسرائيليات ، والأفكار التي تثير الرّيب في الحقائق الإسلامية ، وقد كان يوحنا الدمشقي كاتب عبد الملك بن مروان وأبوه الذي كان كاتبا لمعاوية يبثان الأفكار الفاسدة بين المسلمين ، مثل ادعائهم عشق النبي صلى اللّه عليه وسلم لزينب بنت جحش ، ومثل إثارة الكلام في الطلاق الثلاث ، بل الكلام في أصل الطلاق ، وإثارتهم الكلام في أن اللّه متصف بصفة الكلام أو غير متصف ، وأن القرآن قديم أو غير قديم ، ومثل إثارتهم الكلام في الجبر والاختيار . وبذلك كانوا يحلون الوحدة الفكرية ، ليتسنى لهم من بعد حل القوة الإسلامية ، كما ظهرت النتائج من بعد . وَدُّوا ما عَنِتُّمْ هذا هو الوصف الثاني ، أو الحال الثانية من أحوالهم ، وهي سبب لإرادتهم البوار والفساد للمسلمين ، فالأولى مظهر ونتيجة ، والثانية باعث ودافع ، فهم لا يودّون للمسلمين السعادة والرفاهية والخير والقوة بل يودون لهم الشقاء والتعس والأذى ، وليس لعاقل أن يطلع خفايا أموره ويستنصح من لا يود له إلا الشر والأذى . ومعنى قوله تعالى : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي ودوا عنتكم وهلاككم ، وإجهادكم وإنزال المشقة بكم ، التي يترتب عليها تفريق جمعكم ، وذهاب قوتكم . و « ما » في قوله تعالى : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ هي ما المصدرية التي يسميها علماء النحو الموصول الحرفي ، وهي تؤول هي وما بعدها بمصدر . قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ البغضاء : البغض الشديد المستمكن الثابت الذي لا يتغير ولا يزول ، فهي صفة ثابتة ، وفرق بين البغض والبغضاء فالبغض حال تقبل الزوال ، وأما البغضاء فهي كراهية يبعد